محمد بن جعفر الكتاني

239

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

مسعود إلى سيدي يوسف وهو يقرأ العلم ، فقال له : « واللّه يا ميمي - وكان سيدي مسعود يدعوه بذلك ، ومعناه بلغة البربر : ابني - لكان العلم ينزل عليك إلا مثل الثلج ! » . فقدم معه سيدي يوسف إلى مدينة فاس . وخدمه بها ثمان عشرة سنة . ومما وقع له معه بها : أن حاكم القصبة البالية أخذ مرة إبل بعض العرب ، فجاء ربها إلى سيدي مسعود ، وشكى إليه ، واحترم به . فأمر سيدي يوسف أن يذهب معه ويأتيه بها ، فذهب إلى القصبة ، وأخرجها منها ، والحاكم وخدامه جالسون ببابها [ 193 ] ، ولم يره أحد منهم ، ولم ينتبه إليه . ومن ذلك - أيضا - أن سيدي يوسف هذا كان جالسا مع الفقراء أمام صاحب الترجمة ، فإذا برجل جاء إلى الشيخ يزوره ، وبيده تسبيح طويل ، كبير الحب ، وهو يجره على الأرض ويسبح فيه ، ويقرقبه لكي يسمع صوته الناس . فقال في نفسه : « هذه بدعة اشتغل بها هذا الرجل ! » . فقرب منه الشيخ ، ونظر إليه نظرة منكرة ، وقال له : « يا يوسف ؛ لمن قال ؟ » . فقلت له : « للّه تعالى » . قال : فقال : « ومن عند من قال ؟ » . فقلت : « من عند النبي صلّى اللّه عليه وسلم ! » . فقال لي : « أمسك لسانك ولا تتكلم في أحد ، سلموا للرجال على كل حال ، لا تغتب ولا ترم بإشارة ! » . قال : « فسلمت وتبت إلى اللّه تعالى » . وأوصاه صاحب الترجمة مرة على الطمع ، وقال له : « إياك والطمع ، إياك والطمع ! » . فقال : « نعم يا سيدي ، نعم يا سيدي ! » . وبعد ذلك قال له : « يا يوسف ؛ امدد أصبعك وأخرج من فمي موزونة وامض بها إلى السوق ، واشتر لنا ما يوكل ؛ نقوت به أرواحنا » . قال : « فمددت أصبعي إلى فم الشيخ ، فحل فمه ، وأدخلت أصبعي في شدقه ، فعض أصبعي وجعل يمضعه مضغا حتى ظننت أنه لم يبق في أصبعي عظم صحيح ، وهو يقول لي : يا يوسف ؛ قد أوصيتك الآن على الطمع ولم تقبل وصيتي حتى أدخلت يدك في فمي ، ولولا الطمع ؛ ما أدخلته ، هذا جزاء الطمع ، إياك والطمع ، إياك والطمع ، إياك والطمع ! ! ! » . وبقي سيدي يوسف هذا جادا في خدمة صاحب الترجمة إلى أن حضرت وفاته ، فقال له بعض الفقراء من أصحابه : « يا سيدي ؛ هذه مدة وسيدي يوسف جاد في خدمتك ، وترك والده في محبتك » . فقال له : « أما يوسف ؛ فهو ولدي وتربيتي ، وأنا شيخه ، ولكن لم يبلغ وقته عندي ، وأنا أدفع أمانته إلى الشيخ سيدي علي ورزق السوسي ، وأوصيه عليه . فإذا بلغ الوقت الذي أمرني فيه ربي أن أمكنه من حاجته ؛ مكنه منها » ، ثم أوصى عليه سيدي عليا ورزق ، وقال له : « هذه أمانة اللّه عندك : تتهلا في ميمي » . ثم بعد وفاة سيدي مسعود ؛ انتقل سيدي يوسف لخدمة سيدي علي ، فصار يخدمه كما كان يخدم سيدي مسعود - رضي اللّه عنهم .